«بصراحة، أجد متعة في العمل والإنجاز، وفي أن أكون منشغلاً إلى حدّ يبدو معه كل ما عداه في الحياة أقلّ إلحاحاً. فالعمل، في نهاية المطاف، هو ما يدعم كل شيء آخر.»

هكذا أتخيّل أن أبي كان سيجيب لو سألته: «لماذا تعمل بكل هذا الجهد؟»

لم نكن أغنياء. كنّا من الطبقة المتوسطة في أحسن الأحوال. لكن عمله كان مهماً ومتواصلاً ولا ينتهي.

لاحقاً، جمعتني الحياة برجال ونساء كثيرين كانوا يعملون بلا هوادة، تماماً مثل أبي. اختلفت ظروفهم، واختلفت أسبابهم أيضاً. لم يكن أمام بعضهم مجال كبير للاختيار. وبدا أن آخرين يجدون في العمل شيئاً يصعب العثور عليه في مكان آخر.

لا أستطيع الادّعاء بأنني أعرف ما كان يدفع أبي، أو أيّاً منهم. لكنني أتساءل عمّا قد نسمعه لو أجاب الناس بصدق، أو أُتيح لهم ما يكفي من الوقت والمساحة ليكتشفوا لماذا يعملون كل هذا القدر.

ربما بدت بعض الإجابات هكذا.

1. إنها الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأشعر بأنني مفيد وأن هناك من يحتاج إليّ.

يعتمد الناس على ما أفعله. أحلّ المشكلات، وأوفّر الاحتياجات، وأنجز المهام، وأُبقي الأمور تسير. ثمة طمأنينة في أن يحتاج إليك الآخرون. لكن تحت كل ذلك سؤال أفضل ألا أطرحه: إذا عملت أقل، فهل سأصبح أقل أهمية؟

2. يمنحني العمل شعوراً بالسيطرة.

هناك مهام وخطط ومواعيد نهائية ونتائج أستطيع قياسها. لا يضمن العمل الجاد النجاح، لكنه يمنحني عادةً شيئاً ملموساً أراه مقابل جهدي. أما كثير من جوانب الحياة الأخرى، فأقل قابلية للتوقّع. قد أبذل كل ما لديّ في علاقة، وأظل لا أعرف أين أقف. في العمل، على الأقل، أستطيع رؤية ما أنجزته.

3. يمنحني العمل عذراً قوياً لتجنّب الأحاديث الصعبة.

هناك مواجهات أفضل ألا أخوضها، خصوصاً مع الأشخاص الأكثر أهمية في حياتي. وهناك أمور أتردد في قولها لأنني لا أريد الإخلال بالتوازن الذي تعلّمنا العيش معه. «لديّ عمل» تفسير نادراً ما يحتاج إلى الكثير من التفسير.

4. قد يخفي العمل الطرق التي أعاقب بها نفسي من دون وعي.

على أشياء فعلتها، أو أشياء لم أفعلها، أو توقّعات أشعر بأنني أخفقت في تلبيتها. أنام أقل، وآكل ما هو أسهل، وأبتعد عن الأشخاص الذين يمنحونني الفرح. أستطيع إهمال نفسي وتسميته تفانياً. وأحياناً أتساءل إن كان تقبّل الإرهاق أسهل من السماح لنفسي بأن أشعر بالراحة؛ وكأن جزءاً مني يعتقد أنني لم أستحقها.

5. يجلب العمل الاستحسان.

أن تكون مجتهداً في عملك شارة شرف. نرتديها بفخر، ونمنحها للآخرين بسخاء. نعجب بالشخص الذي لا يتوقف أبداً، والمتاح دائماً، والذي يتمكّن بطريقة ما من إدارة كل شيء. قد لا نسأل كثيراً عمّا يكلّفه ذلك. وأحياناً، لا يسأل هو أيضاً.

شخصياً، أعتقد أن الإفراط في العمل قد يكون من أكثر آليات التكيّف قبولاً اجتماعياً. فهو قد يوفّر دخلاً، وشعوراً بالهدف والإنجاز والتقدير، وفي الوقت نفسه يساعدنا على تجنّب أجزاء من حياتنا تحتاج إلى انتباهنا.

يمكن النظر إلى الأمر من الجانبين. هناك متعة حقيقية في العمل. وأنا أعرف هذه المتعة. وأتساءل أيضاً عن مدى سهولة تحوّله إلى المكان الذي نضع فيه كل ما لا نعرف ماذا نفعل به.

هل أصبحت أنا أيضاً مدمنة عمل؟ وإذا أبطأت بما يكفي لأجيب بصدق، فما الذي سأضطر إلى الاعتراف به؟